بن عيسى باطاهر
37
المقابلة في القرآن الكريم
ويأتي التركيز على قضية الوحدانية في القرآن الكريم لإقامة الحدود الفاصلة بين الحق والباطل في الأرض ، إذ تتعارض كل الموازين البشرية ، والمقاييس الأرضية في وضع الحدود الفاصلة بين ما هو حقّ وما هو باطل ، واللّه وحده الذي لا ضدّ له ولا ند هو الذي سيفصل بين الأضداد والأنداد ، فالوحدانية على هذا الأساس هي المقياس الوحيد في معرفة الخطأ والصواب ، والخير والشر ، والفضيلة والرذيلة . ويسأل سيد قطب السؤال نفسه : « لما ذا نالت هذه القضية ( الوحدانية ) كل هذه العناية في كتاب اللّه الكريم ، ولما ذا أنفق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم كل هذا الجهد في تثبيت هذه الحقيقة وتعميقها في ضمائر المسلمين ، وفي حياتهم كذلك ، لما ذا شغلت هذه الحقيقة كل هذا الحيّز في القرآن كله ، ولما ذا وردت في معرض « الاعتقاد » ، وفي معرض العبادة ، وفي معرض « الحكم » ، في القرآن المكي والمدني سواء ؟ . . . لقد علم اللّه - سبحانه - وعلّم رسوله الكريم - صلى اللّه عليه وسلّم - أن هذا هو مفرق الطريق بين الصلاح والفساد في الأرض ، في ضمائر الناس ، وفي حياتهم ، وأنه لا بدّ من وضوح كامل ، وبيان حاسم لمفرق الطريق » « 1 » . وكذلك يأتي التركيز على وحدانية اللّه في القرآن ، وعلى المعاني الحقيقية لكلمة « لا إله إلا اللّه » ومقوماتها وخصائصها لأمر يتعلق بالوجود الإنساني كله ، وليس مردّه إلى إنكار العرب في الجاهلية كما يظنّ البعض ، فالأمر يعود إلى أن اللّه اللطيف الخبير يعلم النفس البشرية وطبيعتها ، ويعلم أن الوحدانية هي محور ارتكاز الإنسان كله ، وموجّه ألوان نشاطه ، وأن نوع الحياة التي يحياها الإنسان تتعلّق بتصوره عن الإله والكون والإنسان « 2 » . فالوحدانية في حقيقتها ، وكما يريدها اللّه تعالى هي التصوّر الإسلامي الصحيح عن اللّه والكون والإنسان ، وهذا التصوّر يجب أن يترسّخ في ضمير
--> ( 1 ) مقومات التصور الإسلامي - ص 179 . ( 2 ) محمد قطب - دراسات قرآنية - ص 25 .